الحكيم الترمذي

155

غور الأمور

والأولياء صفوته من الزاهدين ، والزهاد صفوته من العاملين والراغبين ، والراغبون صفوته من الآدميين . لأنهم موحدون . ثم قسم العقول بينهم ، وشرح صدرهم للإسلام ولنور معرفته هداهم ، فكل مؤمنون ، وكل إنما يقف على درجته ، ثم منّ اللّه على طائفة منهم بنور أشعله على قلوبهم ، فانفسح وانشرح الصدر ، وخرج من سأته « 1 » منتبها لا من حليل ووصف عميق ، انتبه للخالق البارئ العظيم الشأن ، فامتلأ قلبه فرقا عن عظمة العظيم ، وحلاله الحليل ، وعز العزيز ، فقر ذلك الفرق الهوى عن قلبه ، حتى صار بمعزل عن جميع سعيه في أمره ونهيه . ثم رقا درجة أخرى من الانتباه فوجد النفس بما فيها من الهوى ، وباقي الشهوة قد ذهلت عن كل حركة ، وميل لما ترايا له في علم الغيب من الملك كبريائه وسلطانه . ثم رقا درجة أخرى فوجد النفس بما فيها من الهوى وباقي الشهوة الراهلة قد صفا وطاب لما ترايا له في علم الغيب من ملك فردانيته ، فوقع قلبه هناك على مشاهدته . عرف الأشياء كلها فيه وأذهلته عن الجنة والنار . وذلك أنهما كانتا للنفس ثوابا وعقابا ، ألا ترى أنه لما ذكر الجنة قال : فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ « 2 » - فأي قلب نال فهمه العزيز الماجد الجواد ،

--> ( 1 ) سأته : خشبه ( السأة : الخشبة ) نقرأ قوله تعالى عن سليمان عليه السلام ( فلما قضينا الموت مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منساته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) سورة سبأ : آية 14 . ( 2 ) سورة الزخرف : الآية 71 .